الجاحظ

123

البخلاء

حديث إسماعيل بن غزوان قال إسماعيل بن غزوان : للَّه در الكندي ! ما كان أحكمه وأحضر حجّته ، وأنصح جيبه وأدوم طريقته ! رأيته وقد أقبل على جماعة ما فيها إلا مفسد ، أو من يزيّن الفساد لأهله ، من شاعر بودّه أن الناس كلَّهم قد جاوزوا حدّ المسرفين إلى حدود المجانين ، ومن صاحب تفقيع « 1 » واستئكال ، ومن ملَّاق متقرّب ، فقال : « تسمّون من منع المال من وجوه الخطأ ، وحصّنه خوفا من الغيلة « 2 » ، وحفظه إشفاقا من الذلَّة بخيلا ، تريدون بذلك ذامه وشينه « 3 » وتسمّون من جهل فضل الغنى ، ولم يعرف ذلَّة الفقر ، وأعطى في السرف ، وتهاون بالخطأ ، وابتذل النعمة « 4 » ، وأهان نفسه بإكرام غيره جوادا ، تريدون بذلك حمده ومدحه ؟ فاتهموا على أنفسكم من قدّمكم على نفسه . فإنّ من أخطأ على نفسه ، فهو أجدر أن يخطئ على غيره ، ومن أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يوجد في العين ، كان أجدر أن يخطئ في باطن دينه وفيما يوجد بالعقل . فمدحتم من مدح صنوف الخطأ ، وذممتم من جمع صنوف الصواب . فاحذروهم كلّ الحذر ولا تأمنوهم على حال » . قال إسماعيل : وسمعت الكنديّ يقول : « إنما المال لمن حفظه ، وإنما الغنى لمن تمسّك به « 5 » . ولحفظ المال بنيت الحيطان . وعلَّقت الأبواب واتخذت الصناديق ، وعملت الأقفال ،

--> « 1 » تفقيع : وردت في نسخة أخرى « تنقيع » ولعله يعني تأخير دفع المال وتأجيله . بينما لفظة « تفقيع » كما وردت هنا ، فإنها لا تراعي سياق المعنى . « 2 » الغيلة : صروف الدهر ، مفاجآته . « 3 » شينه : ذمّه ، وحقّره . « 4 » ابتذل النعمة : لم يحترم الخير ، بل اهانه . « 5 » لمن عرف كيف يحافظ عليه .